الرئيسية / الهدي الإسلامي / وقفات  مع الحديث النبوي
وقفات  مع الحديث النبوي- السفير التونسية
وقفات  مع الحديث النبوي- السفير التونسية

وقفات  مع الحديث النبوي

عن أبي سعيدٍ الخدري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((من رأى منكم منكرًا، فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان))؛ رواه مسلم.





منزلة الحديث:

◙ هذا الحديث قاعدة من قواعد الدين، وظاهره: أن الإنسان يلزمه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حسَبَ الاستطاعة [1].

◙ قال النووي رحمه الله: هو مِن أعظم قواعد الإسلام[2].

◙ قال القصري رحمه الله: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أقوى شُعَب الإيمان بوجه، وأضعفها بوجه؛ فتغييره باليد واللسان أقوى شعب الإيمان، وتغييره بالقلب أضعف الإيمان[3].

◙ قال القاضي عياض رحمه الله: هذا الحديث أصل في صفة التغيير[4].

 

سبب ورود الحديث:

أورد مسلم هذا الحديث عن طارق بن شهاب قال: أول من بدأ بالخطبة يوم العيد قبل الصلاة مروان – ابن الحكم – فقام إليه رجل فقال: الصلاة قبل الخطبة، فقال: قد تُرك ما هناك، فقال أبو سعيد: أما هذا فقد قضى ما عليه، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((من رأى منكم منكرًا فليغيره))… إلى آخره، في هذا الحديث دليل على أنه لم يعمل بذلك أحد قبل مروان، فإن قيل: كيف تأخر أبو سعيد عن تغيير هذا المنكر حتى أنكره هذا الرجل؟ قيل: يحتمل أن أبا سعيد لم يكن حاضرًا أول ما شرَع مروان في تقديم الخطبة، وأن الرجل أنكره عليه، ثم دخل أبو سعيد وهما في الكلام، ويحتمل أنه كان حاضرًا لكنه خاف على نفسه إن غيَّر حصولَ فتنة بسبب إنكاره، فسقط عنه الإنكار، ويحتمل أن أبا سعيد همَّ بالإنكار فبدره الرجل فعضده أبو سعيد، والله أعلم.

 

وقد جاء في الحديث الآخر الذي اتفق عليه البخاري ومسلم وأخرجاه في باب صلاة العيدين: أن أبا سعيد هو الذي جذب بيد مروان حين أراد أن يصعد المنبر، وكانا جميعًا، فرد عليه مروان بمثل ما رد هنا على الرجل، فيحتمل أنهما قضيتان، والله أعلم[5].

 

غريب الحديث:

◙ من رأى منكم: سواء أكانت الرؤية بصرية أم علمية، والخطاب عام لجميع المسلمين.

◙ منكرًا: المنكر ما قبح شرعًا أو عقلًا، سواء أكان فعلًا، أم قولًا، أم اعتقادًا.

 

شرح الحديث:

((من رأى)) يحتمل أن يكون المراد رؤية البصر، أو أن المراد رؤية القلب، وهي العلم، والثاني أشمل وأعم، ((منكم))؛ أي: معشر المسلمين المكلفين القادرين، ((منكرًا))؛ أي: شيئًا حرمه الشرع فعلا أو قولًا، ولو صغيرًا، ((فليغيره)) قال ابن دقيق العيد رحمه الله: فهو أمر إيجاب بإجماع الأمة، وقد تطابق الكتاب والسنة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو أيضًا من النصيحة التي هي من الدين.

 

وأما قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ﴾ [المائدة: 105]، فليس مخالفًا لما ذكرنا؛ لأن المذهب الصحيح عند المحققين في معنى الآية الكريمة: أنكم إذا فعلتم ما كُلِّفتم به لا يضركم تقصير غيركم، مثل قوله: ﴿ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴾ [الأنعام: 164]، وإذا كان كذلك فمما كلف به المسلم: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا فعله ولم يمتثل المخاطب فلا عتب بعد ذلك، فإنما عليه الأمر والنهي، لا القبول، والله أعلم[6].

 

((بيده))؛ لأنها أبلغ في تغييره؛ كإراقة الخمر، وكسر آلة لهو، والحيلولة بين الضارب والمضروب، ورد المغصوب إلى مالكه، ((فإن لم يستطع)) الإنكار بيده بأن ظن لحوق ضرر به؛ لكون فاعله أقوى منه، فالواجب تغييره ((بلسانه))؛ أي: فليغيره بالقول، وتلاوة ما أنزل الله من الوعيد عليه، وذكر الوعظ والتخويف، والنصيحة بالكلمة الطيبة.

 

((فإن لم يستطع)) ذلك بلسانه؛ لوجود مانع؛ كخوف فتنة، أو خوف على نفس، أو عضو، أو مال محترم، أو شهر سلاح، ((فبقلبه)) ينكره وجوبًا، بأن يكرهه ولا يرضى به، ويعزم أنه لو قدر على تغييره بفعل أو قول، لفعَل، فأفاد الخبر وجوب تغيير المنكر بكل طريق ممكن، فلا يكفي الوعظ لمن يمكنه إزالته بيده، ولا بالقلب لمن يمكنه باللسان.

 

((وذلك أضعف الإيمان))؛ أي: إن كونه لا يستطيع أن يغيره إلا بقلبه هو أضعف الإيمان.

 

عن أحلام خضراوي

مديرة العلاقات العامة لموقع السفير التونسية

شاهد أيضاً

منبر الجمعة- السفير التونسية

الاحتكار والاستغلال والغش

كتب الشيخ رضا القاسمي  أولا: الحث على الكسب الحلال أيها المسلمون إنَّ طلب الحلال وتحريه أمر ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *