الرئيسية / افتتاحية السفير / كلام منمق ومدح لا ينتهي
ouverture

كلام منمق ومدح لا ينتهي

بقلم شيحة قحّة

ما نحياه اليوم هو عالم آخر، مختلف. تغيّر العالم. انقلبت فيه السياسات والسنن. في زمن قريب، كنت أمشي طليقا الى العالم كلّه. طالبا، كلّ صيف، أرحل الى بلاد الغرب. أقضي أشهرا. أعمل. أتجوّل. يومها، لا تأشيرة ولا أوراق تدفع. يومها، زرت الغرب شمالا وجنوبا، مرّات عدّة. العديد من صحبي درسوا في الغرب. بعضهم الى اليوم، هناك، يحيا ويشتغل. في قريتي منزل كامل، في السنوات السبعين، كلّ الشباب الى فرنسا هاجروا ومنها كسبوا وفيها عمّروا…
انتهى ذاك الزمن. اليوم في بلاد الغرب، تغلّق الأبواب غلقا وتوصد الحدود صدّا وتسدّ المنافذ. ضاقت بنا البلد. نحن اليوم، كفئران في مصيدة. أصبح السفر الى بلاد الغرب عسرا عسيرا. أصبح الرحيل غصبا، مستحيلا. في الغرب اليوم تنتشر شعبويّة وقوميّة. يدعو القوميّون الى الذود عن الذات وعن الأصالة، الى طرد الآجنبيّ المختلف…في ما مضى، كان العالم مفتوحا، متفتّحا. يسعى الى الجمع، الى التعاضد، الى قبول الآخر المختلف. في كندا حيث عشت سنين، ما كنت أراني أجنبيّا. أنا في بلدي. كلّ العالم وطني. أمشي في الأرض مرحا. كلّ الناس إخوتي. أنا العالم. أنا انسان من العالم (“انسالم”) وكلّ البشر أحبّتي… تغيّر العالم وانتهى ذاك الزمن.
لمّا كنت في كندا وكلّ عائلتي، لسنوات عدّة، لم يخطر على بالي الاستقرار فيها ولم أسع أبدا للحصول على جنسيّة. لماذا أفعل وهذا العالم كلّه في يدي؟ لست وحيدا. كلّ صحبي يومها لم يطلبوا الجنسيّة وما كان نيل الجنسيّة عسيرا أو فيه شقاء أو كلفة… هل ندمت اليوم على ما لم أفعل؟ لا، أبدا. لكلّ زمن خصائصه. بالأمس، كان العالم يفعم أخوّة. سمته التفتّح. اليوم، أصبح العالم مشتّت الأوصال، كلّ فيه يرفع رايته، فخور بقوميّته. تبّا للقوميّة وما تحمل من خراب ومن تجزئ…
اليوم، في ظلّ اقتصاد عالمي حرّ وتبادل تجاريّ كلّي، نرى الحدود بين الأقطار تنغلق وهذه هنصريّة تشتدّ وتنتشر. غريب ما يحدث. في العالم، هناك تحرّر اقتصادي غير مسبوق وفي الآن ذاته، هناك غلق للحدود غير مسبوق. ما نعيشه اليوم مفزع. منذر. إن تواصل الغلق وهذه شعبويّة تعلو وتزمّجر، سوف ينغلق الأفق. سوف ينطفئ الأمل. سوف تشتدّ الشدائد ويأكل الناس بغضاء وحروب.أصبح همّ الناس من حولي السعي لضمان مستقبل مرتهن. في نظر الكثير، لا مستقبل لمن عاش في البلد. الكثير يستعدّ للرحيل. يتدبّر لكسب جنسيّة. الكثير من الشباب يلقون بأنفسهم في البحر، في التهلكة. لن يوقف الابحار، جيش ولا حرس. كلّ السبل، كلّ الحيل ممكنة. بعض العائلات من حولي تدفع بالغالي وبالنفيس لنيل الجنسيّة. تستقرّ العائلة أشهرا خلسة في بلاد الغرب حتّى تولد الحامل وينال الرضيع الجنسيّة. يمشي البعض الى كندا، الى الولايات المتّحدة… للولادة فيها، للحصول على جنسيّة…آخر عمليّة تلك التي أتاه نائب بلدي في مدينة رادس… في الأشهر الماضيّة، جمعت دولة ألمانيا من العالم مستشارين بلديين لتعلّمهم حسن التصرّف وكيف الدفع بالناس للإسهام في احياء المدينة والرفع من جودة العيش المشترك. وقع اختيار النائب ضمن قائمة. كلّ النفقات من نقل واقامة على الدولة المستضيفة. نال كلّ واحد بعض المال لإنفاقه الشخصيّ… ماذا فعل النائب البلدي بعد أن أدّى اليمين والقسم؟ الكلّ يعلم ما حصل وكيف هرب النائب المحترم وها هو اليوم يحيا متخفيّا، يترصّد كيف البقاء في بلاد الغرب. يتدبّر كيف الغدر، كيف المخاتلة…في سنة 2015، دعتني سفارة المملكة السعوديّة الى أداء الحجّ بوصفي صحفيّا في جريدة المغرب. ذهبت وزوجتي وبعض التونسيين. كان الاستقبال حارّا. أقمت وزوجتي وعدد من المدعوين جاؤوا من كلّ العالم، في أكبر النزل. ثم كان أن أقام وليّ العهد يومئذ وهو اليوم الملك سلمان مأدبة غذاء وكنت ممّن وقع اختياره ضمن وفد مضيّق. قبل الذهاب الى قصر وليّ العهد في جدّة وكان قصرا لم أر مثله، فيه رخام ومرمر وحراسة مشدّدة، اقترب منّي صحفيّ تونسيّ وقال لي همسا: “أنت محظوظ يا صاحبي. أنت ستلتقي بوليّ العهد. أنا أنصحك نصيحة الأخ لأخيه ان أمكن لك مقابلته وجها لوجه، اطلب منه الاقامة. ان نلت الاقامة فقد أنقذت نفسك ومن معك من كلّ عوز وضيق”. التقيت وجها لوجه مع ولي العهد وتغدّيت قبالته وأكلت ما لذّ من الخيرات وما لم أر في الدنيا مثله. بينما كنت أنعم، ألهف من اللذّات ما طاب، كان الخادمي وزير الدين التونسيّ في جبّة زرقاء منقوشة، يخطب في المنصّة. يقول كلاما منمّقا فيه سجع ومدح لا ينتهي…

عن أحلام خضراوي

مديرة العلاقات العامة لموقع السفير التونسية

شاهد أيضاً

ouverture

الفشل في تمرير القوانين

بقلم شكري الجلاصي للمرة الثانية خلال سنة 2018 يعجز وزير الشؤون الإجتماعية على تمرير قانون ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *