الرئيسية / افتتاحية السفير / الهدم خلّاق…!
ouverture

الهدم خلّاق…!

بقلم شيحة قحّة

الهدم خلّاق هذه المقولة الشهيرة أكّدها قديما شمبيتار. هي حكمة على صواب كثير. بلا هدم لن يحصل بناء. بلا نقض لن يكون تغيير. في الهدم طيّ لصفحة تنتهي وفتح لأخرى مختلفة… كذلك، تجري الحياة… انتهيت من الشباب. دخلت في طور مختلف. الكهولة هي عيش مغاير. لا يمكن أن أكون شابّا وكهلا في الآن ذاته… العيش مراحل وبين المراحل قطيعة وتباين.




الهدم الخلّاق نلقاه في الحياة وفي المعرفة وفي الاقتصاد وفي ما نحيا من تطوّر. تطوّر الدنيا يكون بالقطيعة وما الحياة تواصل ولا هي أبدا تراكم. حياة الانسان، أحجار تشدّ بعضها زمنا. تندثر. يضرب بعضها بعضا… ما الانسان بشجرة. لها عروق ضاربة. الانسان ريح تجري. هو تغيّر وتبدّل. الانسان قطيعة. كتب على الانسان الفطام ومع كلّ فطام تمزّق. يحصل في العيش فسخ وحدث. تغلق أبواب وتفتح أخرى مختلفة…

لا يحبّ التونسيّون الفطام. نخاف القطيعة. الكلّ يريد التواصل. نحن نحيا مع ما كان في غابر الزمن. دوما ننظر في ما فات من العمر. نقدّس ما فات من العمر. نحن في حسرة دائمة على ما مضى. عيشنا وقوف على الأطلال. نحبّ البقاء في الرضاعة. أن نبقى صغارا، صبية. أن يظلّ الماضي دوما حاضرا. أن يظلّ الحاضر ما فات منه وانقضى…

في الاقتصاد، كلّ هدم لنمط انتاجيّ هو خلق لنمط انتاجي آخر. هو بعث لنظر جديد، لتنظيم وأدوات مختلفة، لشغل آخر. في ذاك الهدم لما كان من نموذج، هناك استنساخ لنموذج مغاير، لرؤية أخرى، لعقل مختلف. مع الهدم يحصل الخلق، ضرورة. خلق لأدوات أنجع، لتنظيم أفضل. حسب شنبيتار، ليحصل تطوّر في التكنلوجيا، في الصناعة، في السوق، يجب السعي لهدم ما انتشر من فكر ولما كان بين الناس متداولا. بالنظر، بالبحث المتّصل يمكن نقض ما استأنس به الناس وعليه تعوّدوا. يمكن القطع مع الماضي، فكرا وأدوات ومقاربة…

في العلوم أيضا هناك هدم متواصل. خلّاق… كنت أعتقد أنّ النظريّات العلميّة تتكامل وأنّ الواحدة تأتي لتتمّم سابقتها. كنت أعتقد أنّ العلوم الصحيحة هي افرازات لدراسات موثّقة بالتجارب ومثبتة. انتهى يقيني. أعلم اليوم أنّ العلوم كلّها جميعا ليست صحيحة، كما ندّعي. هي منقوصة ومؤقّتة وفي يوم ستنسخ… في العلوم، كما هو الحال في المجتمع، كلّ شيء هو محلّ هدم وبناء. الحياة هي نقض وبعث… غدا، في ما يبدو، كلّ شيء هو آخر، مختلف. ما نحياه اليوم لا علاقة له بما مضى، لا صلة له بما سوف يحدث في الغد.

عن أحلام خضراوي

مديرة العلاقات العامة لموقع السفير التونسية

شاهد أيضاً

ouverture

تجار القداسة و تجار الحداثة …

بقلم محمد الجابلّي قال أحد الظرفاء العرب وكان يُكنّى ب”خراش” بعد عودته خائبا من رحلة ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *