الرئيسية / افتتاحية السفير / الجلطة السياسية
ouverture

الجلطة السياسية

بقلم وليد سلامة

 

أحزاب تتصدر المشهد العام التونسيّ وتقود حكومة لا تمتلك تصوّرا يعالج نقص المياه أثناء موسم الصيف منتظرة شبه معجزة تجعل من السماء تمطر طيلة شهر أوت. حكومة تتفاجأ بأمطار شهر سبتمبر وتقف مذهولة أمام أجساد أبنائنا في الوطن القبلي وهي محمولة على ظهر سيلان الأمطار الجارفة خلال شهر سبتمبر. وهي نفس الحكومة التي وقفت عاجزة عن إنقاذ المنظومة التربويّة من التدهور والانحطاط الذّي يذكرنا به المعلمون والاساتذة كل موسم دراسيّ. وهي ذاتها التي صُدمت أمام عجز الصناديق الإجتماعيّة عن الإيفاء بواجباتها تجاه المتقاعدين والمرضى…ولو فسحنا المجال لتعداد تكرار “البهتة” الحكومية تجاه الأزمات المتعاقبة لكتبنا عددا لا بأس به من الاسطر. ولكن القاسم المشترك بين جميع مواقف الحكومة هو “البهتة” التي تليها نفس “الدعوة إلى وضع الخطط العاجلة إنقاذ منظومة ما”.
أين الخلل؟
الخلل فينا كمواطنين قبل أن يكون في أحزاب الحكومة.
فنحن من انتخب، ونحن من لم يذهب لينتخب…وفي الحالتين إقترفنا الخطيئة بفرح.
فحين انتخبنا لم نسأل من انتخبناهم عن الآليات التي سيحققون بها ما وعدونا به. إكتفينا فقط بالتحمّس لشعارات الحملة الإنتخابيّة وبالإنبهار بموجات الدعاية الفخمة والحفلات الضخمة وأناقة المترشحين وهيبتهم الشكليّة. لم نفكّر بلبّ الموضوع: أهداف البرامج وآليّات تحقيق تلك الأهداف. والنتيجة أنّنا صعّدنا إلى المشهد العام أفرادا وجماعات لا كفاءة لديهم لتسيير مؤسسة ناجحة فضلا عن دولة. وهو بالضبط ما تطلبه لوبيات الفساد والإرهاب: أن يصعد إلى “موقع القرار” أشخاص لا يمتلكون تصورا لإتخاذ القرار، أشخاص يحتمون بها وتقرر هي بدلا عنهم. وطبعا لن تكون قرارات لوبيات الفساد والإرهاب غير تلك التي تؤبد الأزمات عبر استمرار نهب البلاد لأكثر وقت ممكن. وهنا يأتي دور “النداءات لوضع الخطط العاجلة”…تلك الخطط التي تخدّر الموجوعين ولا تداوي الجراح

ونحن من لم نخرج لننتخب، وتركنا الصفوف فارغة إلاّ من المغرر بهم والانتهازيين. كل ذلك بحجة أنّ مساهمتنا في الإنتخاب تعطي شرعيّة للبرجوازيّة العميلة ومنظومة حكمها. جلسنا فوق الربوة حالمين بموعد يضربه لنا شعبنا الكادح ننزل بمناسبته إلى الشوارع ونجتاح فيه المدن والأحياء والأرياف مطهّرين في طريقنا البلاد من كلّ رموز وآثار المنظومة البرجوازية العميلة. متناسين بأنّ السماء لا تمطر ثورة، إنّما يراكم المسار الثوري المُتعِب شروطها. وأهم هذه الشروط هي مجابهة المنظومة في كلّ موطئ تضع فيه قدمها: في البرلمان وفي الجماعات المحلية وفي منظمات المجتمع المدنيّ وفي الشارع…كلّه بالموازاة مع بعضه البعض. فالناس لا تسمع كثيرا لمن يفضح النظام وهو جاهل بتفاصيل ممارساته الفاسدة داخل الأروقة وخلف المكاتب وصلب اللجان. ولذلك فإنّ الدعاية والتحريض لن يكونا ذوي جدوى متى صدرا عمّن تغيب عنه معطيات الفعل الفاسد خلف الجدران التي بناها النظام. وفي جميع الحالات لا يميل الناس للأفراد والمكوّنات التي لم تدخل في تواصل واضح ومباشر معها. وها نحن نرى عددا منّا لا يزال يعيش في عالم موازِ لعالمنا الحقيقيّ منتظرا هبّة شعبيّة تحمله فوق الأعناق إلى سدّة الفعل السياسيّ معوّلا على اشتداد الأزمة واضطرار ضحاياه إلى إعلان الثورة…ينسون أنّ خروج الناس إلى الشوارع لا يعني بتاتا قبولهم لأن تتم قيادتهم أو حتى إرشادهم. ولذلك كانت خرجات أشهر جانفي المتعاقبة مسببة لخيبات أمل متعاقبة لمن كان ينتظر منها أكثر مما تحتمل.

ونحن أيضا من لم نخرج لننتخب يأسا وقنوطا ووهما بأن لا شيء يمكن له تغيير الوضع الرديء. وفي هذا لم نفهم بعد أنّ أولى ضحايا لوبيات الفساد والإرهاب هم غير المهتمين بالشأن العام. فهؤلاء لا قوة تجمعهم ولا إرادة لهم ولا أمل يحوهم. وإن صُفعوا على الخدّ الأيمن لن يحموا الخدّ الأيسر. ولطالما جرّب فيهم الإستبداد أفكارهم الأكثر سيطانيّة لعلمه بأنّهم الحلقة الاضعف والعنصر الاقلّ فعلا والأعجز عن ردّة الفعل. وهذا ما نراه يحصل اليوم.

مراكمة الفعل النضالي داخل مختلف شرايين النظام الفاسد بالموازاة مع المراكمة النضالية عبر أثير المحيط الذّي يحيا ضمنه، ستمكننا من أن نتوصل في النهاية إلى تسبيب “جلطته السياسيّة”. أما مقارعته فقط من خارج جسده فلن تقوى لوحدها على اختراق مناعته التي تطورت كثيرا بعد 2011، فضلا عن أنّ انسحابنا من ميدان المواجهة لن يزيد حالتنا سوى تدهورا وانزلاقا.

لنتدارك مكامن الخلل التي فينا حتى نحسن الإطباق على منظومة لوبيّات الفساد والإرهاب…ونحمل لبلادنا برامجنا العلمية والواقعيّة من أجل إنقاذ حقيقيّ وعمليّ لها ممّا هي فيه من انحدار وهبوط.

 

عن أحلام خضراوي

مديرة العلاقات العامة لموقع السفير التونسية

شاهد أيضاً

ouverture

اي قمة عربية و اي نتائج ؟

بقلم علي البعزاوي عن اي قمة عربية تتحدثون ? عن اي قمة عربية تتحدثون واليمن ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *