الرئيسية / الحياة السياسية / المجتمع المدني / مرصد الشبكة التونسية للعدالة الإنتقالية
2222

مرصد الشبكة التونسية للعدالة الإنتقالية

يكاد المرء يجزم أنه الشّعار الأوفر حظّا لدى الفاسدين الّذين لا يبالون بمصير بلدهم ويستمرّون بخطى حثيثة في تشييد منظومة فساد، إن ثبتت جذورها الخبيثة، فلا مزحزح لها .
 

 إنّنا لا نبالغ كثيرا حينما نعتبر أنّ جهات كثيرة في بلدنا  تئنّ تحت وطأة إرهاب إقتصادي يَرتكب تلك المجازر التي تُغتال فيها الآمال بالجملة ،آمال جهات مهمّشة يُمنع عليها أن تنتفع بشيء قد كُتب لها ممّا تحت الثّرى لتضمن عيشا كريما، كان ولا يزال من حقّها .

الإرهاب الإقتصادي، برعاية الدّولة، هو أن تكون أغنى المناطق بالموارد الطّبيعية ( باجة-جندوبة-الكاف- سليانة- قفصة- تطاوين – قبلّي ..) ، هي ، في الواقع الملموس و المعاش، أفقر و أتعس جهات البلاد و أكثرها بؤسا.
 

الإرهاب الاقتصادي هو عندما ترفع جهة ما صوتها للمطالبة بحقّها في الإنتفاع  بجزء من الثّروات المنتَجة فيها ، فتُسارع دواليب الدولة باعتماد قانون خارج عن القانون ، ونعني بذلك مصادقة مجلس نواب الشّعب على القانون المحدث لمجلة المحروقات الذي إعتمد مبدأ سرية العقود المبرمة في هذا المجال ,رغم أن ذلك مخالف تماما لأحكام الدستور المتعلقة بالحقّ في النفاذ للمعلومة  و بملكية الشعب التونسي للثروات الطبيعية  إذ كيف يتسنّى التّحرّي في إحترام العقود المبرمة مع الشّركات الأجنبيّة لمقتضيات هذا المبدأ إن لم تُنشر العقود و يُعلم مضمونها؟  .

لقد أحسنت الأطراف الفاعلة في هذا الحقل إستغلال تأخّر تركيز المحكمة الدستوريّة و تعطّل الهيئة الوقتيّة لمراقبة دستوريّة القوانين لتقفز فوق الدستور ولتمرّر هذا القانون الخطير الذي سارع رئيس الجمهوريّة بختمه و إدخاله حيّز التّنفيذ.

في هذا السّياق، لا مناص من أن يطرح السّؤال التّالي نفسه بكلّ إلحاح : ماذا يختبئ وراء المسألة البترولية في تونس ؟ لماذا تحرك الملك  في رقعة الشّطرنج معلنا أنّه سينشر الجيش  لحماية المصالح البترولية ؟ ولماذا لم يحرك الملك ساكنا، قبل ذلك،  فيما يخص الفسفاط رغم أنه أعلن أن الخسائر تقدر بخمسة مليار دينار ؟

ألم يكن أولى به  أن يقدّم مشروع قانون يكون حلّا لأزمة الجهات يُسند مهمّة التنمية الإقتصادية، بالأساس، لمؤسسات جهوية ، فأهل مكّة أدرى بشعابها، تتوفّر على ميزانية خاصّة بها يقع تمويلها، أوّلا و بالذّات، من مردود الثّروات الموجودة فيها ، علما و أنّ ذلك لا يعدو أن يكون إلاّ تفعيلا لأحكام الفصلين 12و14 من الدستور؟

 أليس من المعلوم لدى الجميع أن مردود الفسفاط يفوق بكثير بالنسبة لميزانية الدّولة، مردود البترول؟ لمَ كلّ هذه الإستماتة، إذا، في حماية وحجب عين  قيل أنّ ماؤها غائر لا يكاد يروي عطشا؟
 ألا يحقّ للنّاس ، و الحالة تلك، و العقود محجوبة عن أنظارهم بنصّ القانون، أن تُخمّن بأنّ رزقها زُفّ لوصيّ أجنبيّ أعجبه حصاد أرضه فولّى عابس الوجه يُخبره أنّ الصّابة قليلة؟

 أراد النّاس رؤية ذلك بأعينهم فعُصبت  بقانون أدنى مخالف للقانون الأعلى وأخبروهم أنهم يخشون عليهم الرّمد، فقالوا بصوتهم الكظيم "الرّخ لا " ، فاستهزأ بهم كبير القوم ونصب على الحقول حرّاسا و أخبرهم أنّ عقولهم الصّغيرة في نظره، لن تستوعب كلّ خيرات البلد .أهذا الشّعب، في منظور سيادة الرّئيس، قاصر في الرّخاء و كهل عند الوغى الّذي أتى به إلى حيث هو الآن؟ 
 لمصلحة من يوضع جيشنا الأبيّ حارسا على أبواب الطّاقة ؟ هل لمصلحة تونس أم لمصلحة أطراف أخرى ؟ لمصلحة من تُضمن سرّيّة عقود النّفط و الغاز؟  

تذكّر يا جيشنا، يا من كنت أستيقض على أناشيده كل صباح ، أنّك ذخر و درع وسور للوطن وأن نجاح الثورة كان نتيجة تلاحم عفوي و تلقائي بين الشعب والجيش حيث لم تكن لا أحزاب و لا حسابات  و لا أيّ شيئ من هذه السُّفليّات المقيتة، كان هنالك شعب يريد الحياة و كان هنالك جيش يُلبّي و يحمي الظّهر، كان هنالك وطن في حالة صفاء تام، وطن لا تكدّره سياسة السّياسيّين، وطن وقف فيه الجيش درع لشعب كريم فوُلدت القوة التي لا تقهر و الّتي أطاحت بالطّاغية و ضمنت إستمرارية الدّولة.

 
 لقد اختار الرّئيس تسخير جيشنا لحماية المصالح الأجنبية من الإحتجاجات الشّعبية ولم يختر طريق الحلّ الجوهري للمشاكل العالقة ، و هو في المتناول، وذلك من أجل عيون مصالح الشّركات البترولية الأجنبية.  . 


 إنّ في هذا لتدبيرٌ ماكرٌ ضدّ الشّعب و الجيش قد يراد منه أو يترتّب عنه تأليبهما ضدّ بعضهما البعض. 
 

التآمر ضد الجيش ليس بالأمر الغريب و لا المستحدث في تاريخنا المنظور،  فقد كان ذلك من الممهّدات الرّئيسية لتأسيس النظام الدكتاتوري الإستبدادي الفاسد في تونس ، بعد السابع من نوفمبر 1987.

إن  الخطّة التي إعتمدها الرّئيس المخلوع لتركيز سلطانه المطلق على البلاد و العباد، دون حسيب أو رقيب أو رادع، كان قوامها  كسر شوكة الجيش الوطني ، الّذي، كما يعلم الجميع، لم يشارك في إنقلاب السابع من نوفمبر ، ممّا أثار توجّس زين العابدين بن علي وولّد القناعة لديه بأنّه لا يستطيع تأسيس منظومته الإستبدادية القائمة على الفساد والنّهب والإستئثار بثروات البلاد لفائدته الشّخصيّة و لفائدة أقاربه إلاّ بعد كسر شوكة الجيش بحبك المؤامرات ضدّه.

 كان برنامجه الحقيقي يهدف إلى تشييد صرح نظام يقوم على الحكم الفردي المطلق ، بعد أن أغرى الشعب بتبنّيه المزعوم، من خلال البيان الشهير، لمشروع إرساء نظام ديمقراطي . فهو يعلم ، يقينا، أن الجيش، في حالته الطّبيعية، يستحيل أن يقف مكتوف الأيدي، بالعقيدة الوطنية الّتي تحدوه، أمام كمّ الفساد المخطّط له ، فبادر بوضع خطّة تهدف إلى ضربة قاصمة للجيش تُبعثر صفوفه باستئصال كلّ العناصر التي قد تعترض على ما يعتزم فعله بالبلاد.

بدأ تنفيذ هذه الخطّة الخبيثة ببثّ الوشاة في جميع الثّكنات و المصالح التابعة لوزارة الدّفاع ، فوقع رصد العناصر المتميّزة ، من ضبّاط و ضبّاط صفّ ، الّذين يتّسمون بالكفاءة العالية و بروح المبادرة و القيادة، كما و قع رصد كلّ من له وازع ديني يحمله على آداء الفرائض الدينيّة .

ثمّ ، بعد ذلك، بدأ بتنفيذ سياسة العزل الممنهج الّتي إستهدفت المئات من الذين تقدّموا بمطالب لآداء فريضة الحجّ، أو من الّذين كانوا يقيمون الصّلاة رغم ثبوت عدم إرتباطهم بأيّة جهة سياسيّة ، و رغم ثبوت عداء الكثير منهم ، أصلا، للأحزاب المعروفة بتوظيفها للدّين لتحقيق أغراض سياسيّة سُفليّة.

و أخيرا، تمّ توجيه الضّربة القاصمة للجيش، فيما يُعرف بقضيّة برّاكة السّاحل، من خلال القبض على  مجموعة من خيرة ما أنجبت المؤسّسة العسكريّة  من ضبّاط و ضبّاط صفّ و رجال جيش، و تسليمهم لبراثن مصالح ما كان يُعرف بأمن الدّولة ، ليعبثوا بحرمة عقولهم و أبدانهم، فيتبيّن و يثبُت، فيما بعد، أنّهم أبرياء و أنّ كلّ القضيّة كانت مكيدة مدبّرة ، ليس إلاّ.

و قد كان ذلك نقطة تحوّل فارقة من حيث طبيعة النّظام و رأسه، الّذي، و مباشرة بعد أن أصبح جانب الجيش مأمون، بعد نجاح المؤامرة التي إستهدفته، أسقط القناع و كشف عن وجهه الحقيقي و قمع الجميع و نهب بدون هوادة و أسّس أحد أعتى النّظم الإستبدادية في العالم.

.العبرة التي يجب أن نضعها نصب أعيننا فيما نتحدّث عنه تتمثّل في أنّ التآمر على الجيش هو العنصر الأساسي الممهّد لبسط ديكتاتورية جديدة .

إنّ جيشنا التونسي جيش وُلد من رحم الشّعب ، نشأ  على إثر إكتتاب شعبي عامّ  وَضعت فيه كلّ عائلة تونسية شيئا منها ، من مال و نفس، وهو ليس جيشا من المرتزقة كما في قرطاج ولا جيشا تقوده المماليك الصّهب الفاقدة للهويّة ،إنّ جيشنا التونسي ابن هذا الوطن وحامل الرّاية والعلم .

الجيش التونسي يحمل في سجلّه إثنتان وعشرون مشاركة في عمليات حفظ السلام في مختلف بؤر التّوتر في العالم، وهو رقم قياسي يفاخر به وقد شهدت له جميع الأطراف الدولية بالكفاءة والحرفية والانظباط ،فكيف يمكن لأحدهم أن يعوّل على وقوف هذا الجيش الأبيّ في مواجهة شعبه ؟

أمّا عن المطلبيّة المجحفة التي يتذمّر منها السيّد رئيس الجمهوريّة ، اليوم، فللتّاريخ، يجب التّذكير بأنّه هو من أطلق عنانها حينما تولّى رئاسة الحكومة إبّان الثّورة بمنحه، دون أيّ موجب طارئ، زيادة في الأجور لموظفي الوزارة الأولى ، فطالبت كلّ الفئات الأخرى بزيادة مماثلة ، فانحرفت بذلك روح الثّورة الإصلاحية التي وحدت الشّعب إلى طريق مسدودة عبّدتها المصالح والمطالب الّتي لم تتوقف إلى يومنا هذا . إنّه هو الّذي  زرع هذه المطلبيّة بذرة فأصبحت صبّارا شائكا عظيم الخلق لا يقدر على السيطرة عليه أحد، و إلى إثقال كاهل الميزانيّة و إجبار الدّولة على الإقتراض لسدّ العجز، من جهة وتأجيج الحميّة الفئويّة، من جهة اخرى ،لذا، و إتّعاظا بالماضي القريب، وجب عليه ،  التّروّي مليّا قبل إتّخاذ قرارات قد تكون عواقبها وخيمة .

وأخيرا ، كنّا نتمنّى أن نُلخّص خطاب سيادة الرّئيس بعكس ما ورد في فحواه ، أيّ : الجيش ضدّ الفاسدين والمصالحة للمحتجّين و"إنّ الباطل كان زهوقا" .

هذا المقال هو من تأليف:

 عدنان الإمام : جامعي و باحث و مؤلّف.

 أميمة ملائكي الإمام : كاتبة روائيّة.

عن أحلام خضراوي

مديرة العلاقات العامة لموقع السفير التونسية

شاهد أيضاً

قطار نقل الفسفاط و المسافرين يتعطل من جديد و العمال يحتجون (2)

قفصة :قطار نقل الفسفاط و المسافرين يتعطل من جديد و العمال يحتجون

قرر رجال أعوان و إطارات شركة السكك الحديدية باالمتلوي الدخول في إضراب في محطة الأرتال ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *