الرئيسية / الهدي الإسلامي / مفهوم حقوق الإنسان .. الحرية .. المساواة
مفهوم حقوق الإنسان .. الحرية .. المساواة ومدى مطابقتهم للواقع ورؤية الشريعة- السفير التونسية
مفهوم حقوق الإنسان .. الحرية .. المساواة ومدى مطابقتهم للواقع ورؤية الشريعة- السفير التونسية

مفهوم حقوق الإنسان .. الحرية .. المساواة

كتب الشيخ رضا القاسمي 

إن أصل الحقوق يرجع إلى فهم معنى قول الله -جل وعلا- ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ ﴾  الإسراء 70  .

وتكريم الله -جل وعلا- لبني آدم -كما قال العلماء- يرجع إلى شيئين :
الأول : تكريم الله -جل وعلا- لبني آدم في خلقه إياهم ، وفيما سخر لهم مما في السماء ، ومما في الأرض ، والله -جل وعلا- بين ذلك في الآية .
والثاني : أن الله -جل وعلا- رفع ابن آدم عن الحيوان ، وعن غيره من المخلوقات ، وفضله على كثير ممن خلق تفضيلًا .

ومن أجل ذلك جاءت الشرائع في تبيين حق الله -جل وعلا- وحق العباد ، فقول الله -جل وعلا-

﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ ﴾ [ الإسراء : 70 ] ، وفي آخر الآية ﴿ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ﴾ [ الإسراء : 70 ] ، هذا يرجع إلى الخلق ، ويرجع أيضًا إلى التشريع والتنظيم ، وما أمروا به من عبادة الله وحده ، ومن اتباع المرسلين والأنبياء .

والحقوق التي تدخل تحت هذه كلمة “حقوق الإنسان” ترجع عند الغربيين إلى الحرية ، وإلى المساواة ، وكلمة “الحرية” هذه التي نادوا بها لا توجد بهذه الصورة التي تكلموا عنها ، حتى في بلادهم، فكيف يريدون ان يطبقوها عبر أبواقهم في بلاد اكثر أهلها مسلمون .

الحرية  :فالحرية المطلقة في أن يفعل الإنسان ما يشاء دون أن يحاسَب على ما فعل ، لا وجود لها في أي مكان من الأرض ، بل هذه الحريات تنتهي عند حد معين ، وبعده يقال للشخص : هذا ممنوع ، لست حرًّا في ذلك .وهذا يبين لنا أن كلمة “الحرية” لا توجد على الأرض إلا بصورة نسبية ، أما الحرية المطلقة في كل شيء ، في المال ، وفي السياسة ، وفي القضاء ، وفي التصرف في النفس ، وفي الدماء ، ومع الأولاد ، إلى غير ذلك ، لا توجد كاملة بلا قيد في أي مكان من الأرض ، وإنما توجد حرية تختلف البلاد فيها من حيث التوسع والتضييق بحسب الأعراف والتقاليد .

فإذًا كلمة “الحرية” التي هي جزء من حقوق الإنسان ، لا توجد بشكل مطلق عند من يتشدقون بها ، فإذا وضع هؤلاء لها القيود البشرية بمحض آرائهم ، فإنا نقول : إن هذه القيود تمحو كلمة “الحرية” ، وتجعلها كأن لم تكن موجودة ، فإذا كنتم تنادون بالحرية ، فأعطوا الإنسان حريته ليفعل ما يشاء ، أما إذا قيدته في حرية دون حرية ، بوضع قانون مثلا فقد قيدت حريته ، إذ ألزمته بهذا القيد .

إذًا فأساس الحرية التي نودي بها في مجال حقوق الإنسان ، يجب أن تنظر إليها من جهة أن الحرية لا توجد مطلقة ، بل لا بد أن تكون مقيدة ، يعني أن الإنسان ليس حرًّا في أي مكان من الأرض ، تام الحرية في تصرفاته يفعل ما يشاء ، وإنما له حدود يجب عليه ألا يتخطاها .



من أجل ذلك جاء ما يسمى بـ “البروتوكولات” ، وجاء ما يسمى بـ “الموضة” ، وهي عبارة عن أشياء يجب الالتزام بها ، كالتزام الشخص بلباس معين ، عند الحضور في بعض الأماكن ، ونحو ذلك .فهناك نوع من عدم الحرية موجود في كل مكان ، وهذا يرجع إلى ما رأوه من أنه لا يناسب أن يعطى الإنسان حريته لمنافاته للذوق تارة ، أو لمنافاته للعلاقات تارة أخرى ، أو لمنافاته لحقوق أخرى .(فمثلا لا يمكن ان تدخل الى مؤسسات الدولة بلباس غير لا ئق) .

المساواة :والمساواة التي نادوا بها ، تعني مساواة الرجل بالمرأة في كل شيء ، وتعني مساواة جميع الناس ، في أخذ الحقوق ، وفي إعطاء حقوقهم في كل شيء ، في التعليم ، وفي الصحة ، وفي الاستشفاء ، وفي السفر ، وفي تحديد المكان الذي يرغب أن يقيم فيه في حدود دولته ، كما نصت عليه موادهم ، وفي إلغاء الرق ، إلى آخر ذلك .
وهذه المساواة منها ما هو مقبول ، ومنها ما ليس بمقبول ، كما سيأتي بيانه إن شاء الله –تعالى- ونحن بصدد بيان أن حقوق الإنسان الكاملة ، قد أعطاها رب الإنسان للإنسان .

والبشر إذا أرادوا أن يعطوا الحق لغيرهم ، فإن الأمر لن يسلم من الهوى ، فالذي يضع القانون أيًّا كان ، فإنه سيدخل فيه هواه ، ولهذا تجد أن القوانين الغربية ، سواء منها القانون الفرنسي ، أو الأمريكي ، أو غيرهما من القوانين الوضعية ، تجد أنها تخضع للتغيير بين فترة وأخرى ، إما لأن أول ما نشأ القانون كان لأجل مصلحة ما ، إما للدولة في إنشائه ، أو لنفوذ من الكبراء في تلك الدولة في بعض المسائل ، أو بتعليمات من قوى خارجية او لعداء مستحكم للدين ، فتغير تبعًا للأحوال ، ولهذا بين الله -جل وعلا- أن حكم الجاهلية هو حكم عن الهوى ، فقال –سبحانه- ﴿ وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ ﴾  المائدة : ، لأن كل حكم يخالف حكم الشريعة ، فلا بد أن يكون قد تسلط عليه الهوى ، فمُنع من الصواب .

إذًا فتلك المبادئ قامت على أساس نظرٍ بشري يدخله الهوى ، وتدخله مصالح الدول ، ويدخله الرغبة في السيطرة على الدول الضعيفة ، أو الدول التي فيها خيرات .

بعد هذا العرض ، إذا رأيت ما كان الناس عليه قبل مبعث محمد -عليه الصلاة والسلام- سواء عرب مكة وما حولها ، أو من في الجزيرة ، أو من في الشام ، أو العراق ، أو مصر ، أو فارس ، أو الروم ، وجدت أن سلب الحريات مفتوح على مصراعيه ، وأن المساواة منفية ، والذي يحكم هو شريعة الغاب ، لأن القوي يأكل الضعيف ، يتسلط الناس بعضهم على بعض ، ولهذا قال ربعي بن عامر -رضي الله عنه- لقائد الفرس حينما سأله مَا جَاءَ بِكُمْ؟ فَقَالَ : اللَّهُ ابْتَعَثْنَا لِنُخْرِجَ مَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادَةِ الْعِبَادِ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ ، وَمِنْ ضيق الدنيا إلى سِعَتِهَا ، وَمِنْ جَوْرِ الْأَدْيَانِ إِلَى عَدْلِ الْإِسْلَامِ.

لقد جاء النبي -صلى الله عليه وسلم- وأوحي إليه بشريعة الإسلام ، وأمره الله -جل وعلا- بأن ينذر عشيرته الأقربين ، ثم ينذر الناس جميعًا ، وجعل رسالته رحمة للعالمين ، فقال ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾ [ الأنبياء : 107 ] .

لما جاء النبي -عليه الصلاة والسلام- في ذلك المجتمع كانت السمة الغالبة لهذا المجتمع ، أنه مجتمع فيه صراع طبقي ، وتميز طبقي على أشده ، فهذه القبيلة أفضل من هذه القبيلة ، وهؤلاء أرفع من هؤلاء ، وهؤلاء متسلطون على غيرهم ، ونحو ذلك من الأعراف القبلية التي فيها تبايُن ، وفيها تفضيل بعض الناس على بعض .

فجاءهم النبي -صلى الله عليه وسلم- بالأصل العظيم ، وهو قول الله -جل وعلا- ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾  الحجرات : ، فجعل الكرم والفضل والتميز لمن كان أتقى ، فلا عبرة بالجنس ولا باللون ولا بالقبيلة ولا بالبلد ، فالتفاضل بين الناس فقط بحسب التقوى .

وفي هذا المعنى قال نبينا -عليه الصلاة والسلام-  :« يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ ، أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ ، وَلَا أَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ ، وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ ، إِلَّا بِالتَّقْوَى.وهذا -كما هو معروف- في التكليف ، جعل الله -جل وعلا- الناس سواسية ، يعني في الخطاب ، الذكر والأنثى ، والحر والعبد ، والغني والفقير ، على اختلاف طبقاتهم .

فالناس جميعًا مأمورون بتوحيد الله -جل وعلا- ومأمورون بامتثال أوامره وتقواه بحسب الاستطاعة ، وهذا نوع من المساواة بين الناس في التكليف .

وكذلك لما جاء الإسلام ألغى التفرقة بين الناس ، بل آل الأمر إلى المؤاخاة ، فآخى النبي -صلى الله عليه وسلم- بين المهاجرين والأنصار ، بل قد أوخِيَ بين حر وغيره في المدينة ، بل جاء عن علي -رضي الله عنه- أنه جعل سلمان الفارسي من أهل البيت ، فقد صح عن علي -رضي الله عنه- أنه قال : سلمان منا أهل البيت .وقد أمّر النبي -صلى الله عليه وسلم- زيد بن حارثة – وهو مولى – على جمع كبير من المسلمين ، وأمّر بعده أسامة بن زيد ، وأمضى ذلك اللواءَ أبو بكر الصديق -رضي الله عنه .  ولما فتح المسلمون الأمصار ، وشاع الإسلام وانتشر ، آل الأمر إلى أن يكون الأعاجم –الذين هم من غير العرب- من أكابر العلماء ، فكانوا من أئمة المسلمين ، يستقي الناس منهم العلم ، بل قد رأينا في تاريخ الإسلام كثيرًا من الأعاجم الذين قادوا المسلمين في العلم ، وقادوهم في الفتوى ، وقادوهم في في أمور كثيرة .ومن هذه الأمثلة في العلم : الإمام أبو حنيفة -رحمه الله تعالى- وهو ليس بعربي ، وكذا الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- كيف صار كتابه مصدرا رئيسا من مصادر السنة ، فليس هناك عالم ، أو طالب علم من المسلمين إلا ويعرف الإمام أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري .

فالإسلام قد ألغى الفوارق ، وصار هؤلاء الأعاجم قادة وأئمة للعرب ، وصاروا مقدَّمين ، لأنهم حملوا الدين ، ورفعوا راية التوحيد ، وراية “لا إله إلا الله محمدًا رسول الله” ، فلا فرق بين أعجمي وعربي إلا بالتقوى .والمسلمون لما كانوا متأدبين بأدب الإسلام ، لم يكن بينهم ذلك النزاع الطبقي ، وتلك الفروق الجاهلية ، فقبلوا إمامة هؤلاء ، وسلموا لهم ، لأن الناس في هذا المقام سواء .

عن أحلام خضراوي

مديرة العلاقات العامة لموقع السفير التونسية

شاهد أيضاً

عدم جواز إسناد ولاية سياسية لغير المسلمين في بلد مسلم

ملف تقدمه السفير التونسية عنوانه : عدم جواز إسناد ولاية سياسية لغير المسلمين في بلد مسلم

  عدم جواز اسناد ولاية سياسية  لغير المسلمين لولاية أمر المسلمين من حيث العموم والخصوص أربع ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *