الرئيسية / المجهر الاقتصادي / الدولة و المحافظة على المؤسسات العمومية
البنك الفلاحي التونسي- السفير التونسية
البنك الفلاحي التونسي- السفير التونسية

الدولة و المحافظة على المؤسسات العمومية

كررت الحكومة وأعادت خلال الأسابيع القليلة الماضية تصورها حول التفويت في المؤسسات العمومية الناشطة في ما أسمته قطاعات تنافسية غير إستراتيجية اي تلك المؤسسات التي يمكن ان تجلب المال للخواص اذا ما استثمروا فيها. ويبدو في هذا الصدد ان الحديث عن الخوصصة يشمل مؤسسات بعينها تعد هدفا قديما للباحثين عن صفقات التفويت. وفي هذا الخضم من تداخل الذاتي بالموضوعي وبروز شبهات الفساد ـ يبدو من الضروري التذكير بأهم الأسباب التي تجعل عملية التفويت في المؤسسات العمومية سمسرة وتجارة خاصة مضرة بمكاسب الشعب وهو ما يفضي بالتالي إلى ضرورة الحفاظ على المؤسسات العمومية. ملك الشعب وقد تبدو الحجة الأساسية أن المؤسسات الاقتصادية العمومية هي ملك للشعب ورغم عمق هذه المقولة فإنها مازالت مبهمة في ذهن الكثير من المتابعين حتى أن البعض يتخذها مادة للتندر. فعبارة ملك الشعب لا تعني الإشارة إلى الملكية الحصرية للشعب التونسي الذي يمتلك كل ما تمتلكه الدولة باعتبار صاحب السيادة الأصلية،




بل الى حجم ما بذله الشعب التونسي من جهد وكلفة وتعب وصبر لتكوين وإنشاء المؤسسة العمومية ولتنال موقعها في السوق ولتكون قادرة على الإضافة والى حجم الارتباط الوثيق بين مصلحة الشعب التونسي ومصلحة ديمومة المؤسسة العمومية ونموها. فالمؤسسة العمومية تمثل للشعب ملجأ دائما للتشغيل ولتعديل السوق وحلّ الإشكاليات أيا كانت الفئة والطبقة التي تتوجه إلى الملك العام للاحتماء به. فكلمة ملك الشعب التي أخرجت من سياقها بقصد تشويهها تعني في الأخير ان المؤسسات العمومية متصلة اتصالا كبيرا بجزء مهمّ من تاريخ نضال هذا الشعب من اجل تحسين مستوى العيش، وان تلك المؤسسات تُعدُّ ثمرة ذلك النضال وخلاصته، تشهد على ان الشعب كل الشعب انخرط في معركة البناء والتطوير لينتج مؤسسات عمومية لها القدرة على دفع الاقتصاد وعلى تمويل الخدمات العمومية. وفي الخلاصة فإن المؤسسات العمومية هي ملك للشعب بما يعنيه ذلك من عمق وارث ودور يستوجب حمايته من أيدي العابثين والتجار والسماسرة. وتجدر الإشارة الى ان كل هذا العمق والمكانة لا يعني القبول بنقص النجاعة وتراجع أداء المؤسسات العمومية وتحويلها إلى خرائب غير منتجة بل ان كل ما يقتضيه الأمر من إجراءات للإصلاح يبقى واردا ومقبولا شرط ان تثبت المصلحة في الإصلاحات وان تكون وفق تصور واضح غير مقيد باملاءات النقد الدولي وضغوط المضاربين في الداخل والخارج. رقابة وربط العلاقة وإضافة إلى كون المؤسسات العمومية ملك للشعب من حيث ارتباط المصالح فأنها تمثل احد أهم أدوات رقابة الدولة على السوق وربط الصلة مع شركاء تونس الاقتصاديين. فالمؤسسات العمومية في عديد القطاعات، التي يسميها أصدقاء الحكومة تنافسية، تمثل في الحقيقة شواهد للدولة على واقع القطاعات. ومن زاوية نظر اقتصادية يجب على الدولة ان تكون على دراية عميقة ومفصلة بجميع حيثيات السوق والقطاعات بما يمكنها من تحديد سياساتها وتعديله وفق المقتضيات والظروف. غير ان غياب الدولة عن أي قطاع من قطاعات النشاط يجعل الرؤية أمامها ضبابية وهو ما يعيق تدخلها إذا ما أرادت ذلك. ومن الأمثلة البارزة حول القطاعات التي تغيب عنها الدولة قطاع صناعات الكابل الذي يلفه الكثير من الغموض بالنسبة إلى الدولة التونسية في مختلف جوانبه المتعلقة بالربح والإنتاجية ومعدل الأجور وراس المال وحجم الضرائب، وهي مضطرة في هذا المجال لتصديق أصحاب المؤسسات وما يقدمونه من أرقام لتصبح بالتالي عاجزة تماما، ليس عن التدخل فقط، بل وعن إبداء الرأي مثلما حصل في قضية مصنع الكابل بالكاف الذي تمّ نقله الى جهة ساحلية وسط ذهول الدولة الناتج عن عدم الدراية والمعرفة بالمجال. وقد أدى ذلك إلى خلق مناخ متوتر. أما في ما يتعلق بربط الصلة فان الأمثلة كثيرة وقد تكون البنوك التابعة لمجموعات ولدولة أجنبية وذات المساهمة التونسية، ابرز الأمثلة على هذا النوع حيث تقوم الدولة التونسية بتسهيل إنشاء هذه البنوك وتساهم في راس مالها لمزيد ربط الصلة الاقتصادية مع البلد الأصلي لتلك البنوك. والحقيقة ان المساهمة في تلك البنوك ضروري لعدة أسباب وأبرزها ضرورة وجود مرافقة قانونية وتشريعية وتقنية لتلك البنوك من اجل تسهيل عملها وهذا الأمر لا يكون بمجرد توفير الإطار التقني والإداري بل بتوفير الشراكة المالية في حدود معقولة وعلى هذا الأساس فان الدعوات إلى التفويت في مساهمة الدولة في رأس مالها، تمثل عبثا وضربا للمصلحة المشتركة خاصة ان تلك البنوك رابحة. وقد تمثل عملية التفويت في أسهم الدولة مثالا سيئا على تعامل الدولة التونسية مع شركائها بما يخفض حظوظنا في ربط صلات في المستقبل وعلى هذا الأساس فان دعوات التفويت في تلك البنوك هي في الحقيقة انعكاس لمدى قصر نظر المسؤوليين الحكوميين الذين يثقلون كاهل الدولة بتصرفاتهم الخرقاء. آلية تدخل في واقع متقلب أما العامل الثالث الذي يستوجب التوقف والتفكير قبل التوجه نحو التفويت في المؤسسات العمومية فيتمثل في أهمية تلك المؤسسات باعتبارها أدوات تسهل دور الدولة الاقتصادي. وتشير المعطيات إلى أن الواقع الاقتصادي التونسي في وضعه الراهن يستوجب تدخل الدولة من اجل دفع النمو وتمثل المؤسسات العمومية إحدى آليات الدولة للتدخل في الاقتصاد ولتطبيق سياساتها. وتمثل المؤسسات العمومية قاطرة تمهد المناخ العام للاستثمار خاصة في الجهات الداخلية، كما تمثل مصدرا للطاقات والكفاءات ذات التجربة والخبرة التي تمثل أفضل عناصر التوجيه والإحاطة التي يمكن أن يوفرها الاقتصاد لدفع إحداث المؤسسات وخلق ديناميكية اقتصادية. والحقيقة ان سبب إصرار المسؤوليين الحكوميين على بيع المؤسسات العمومية غير واضح ولا يتطابق بتاتا مع قواعد النظرية الاقتصادية. وتشير كل المعطيات إلى أن الواقع الاقتصادي التونسي غير ثابت وهو مضطرب ومفتوح على كل الاحتمالات ولذلك فإن اتخاذ قرارات نهائية وحاسمة مثل قرار التفويت يبدو تنطعا غير مدروس من مسؤولين يفترض فيهم الحرص على حماية المصلحة الاقتصادية الوطنية. فحالة عدم اليقين الاقتصادي تستوجب من الحكومة العمل على دعم الثقة بين مختلف الفاعلين الاقتصاديين وأهمهم الدولة لا ان تخلق مناخا من الشك والريبة عبر خلق توترات وشكوك في مجال التفويت نحن في غنى عنها.

طارق 

 

عن أحلام خضراوي

مديرة العلاقات العامة لموقع السفير التونسية

شاهد أيضاً

Screenshot_2018-09-23-13-33-31

الرئيس المدير العام للشركة الجديدة للنقل بقرقنة: لا نتوقع الغاء رحلات

قال الرئيس المدير العام للشركة الجديدة للنقل بقرقنة عبد المجيد خشارم  اليوم الأحد ان الشركة ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *